فتوى شرعية

وجوب تَعْظِيم المصحف وحرمة امتهانه

الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كِتَابُ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَمُصْطَفَاهُ r، وَحَبْلُهُ الْمَتِينُ، وَنُّورُهُ الْمُبِينُ، وَشِفَاؤُهُ النَّافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ اتَّبَعَهُ، لَا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ، وَلَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ، لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [الْمَائِدَةُ:15-16]

وقد أمرنا بتعظيمه ونهانا عَنْ إِهَانَتِهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةُ:77-79].

وَعَنْ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: (لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)([1]).

مَنْ تَهَاوَنَ بِهِ وَاسْتَهْزَأَ؛ فَقَدْ كَفَرَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 65-66].

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْلَّاعِبَ وَالْجَادَّ سَوَاءٌ فِي إِظْهَارِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللهِ تَعَالَى كُفْرٌ([2]).

وَلَقَدْ ظَهَرَ أُنَاسٌ تَهَاوَنُوا بِالْقُرْآنِ وَاسْتَخَفُّوا بِهِ، وَأَلْقَوهُ فِي حَاوِيَاتِ الْقُمَامَةِ، وَمَا دَرَوْا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ، أَوْ أَلْقَاهُ فِي قَاذُورَةٍ، أَوْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مِنْ حُكْمٍ، أَوْ خَبَرٍ، أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ، أَوْ أَثْبَتَ مَا نَفَاهُ، أَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ؛ كَفَرَ([3]).

وَلِذَا؛ فَعَلَى كُلِّ أَبٍ وَأُمٍّ، وَمُعَلِّمٍ، وَمُعَلِّمَةٍ، وَوَاعِظٍ وَخَطِيبٍ وَمُدِيْرٍ فِي مَدْرَسَةٍ أَوْ شَرِكَةٍ؛ أَنْ يُذَكِّرُوا مَنْ تَحْتَ مَسْؤُولِيَّتِهِمْ بِحُرْمَةِ الْقُرْآنِ، فَلَا يَجْعَلُوهُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِئَلَّا يُخْطَمَ عَلَيهِ بِالْأَرْجُلِ وَلَوْ عَنْ خَطَأٍ أَوْ جَهَالَةٍ، وَلَا فِي الْحَقَائِبِ الْمَدْرَسِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهَا الطَّالِبُ تَحْتَ مَقْعَدَتِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ، وَقَدْ يَتَقَاذَفُهَا مَعَ زُمَلَائِهِ أَوْ يَدَفْعُهُمْ بِهَا، وَلَا يَجْعَلُوا أَوْرَاقَ الْجَرَائِدِ الَّتِي فِيهَا الْآيَاتُ أَوِ السُّوَرُ مَفَارِشَ لِلطَّعَامِ أَوْ حَافِظَةً لِلْآنِيَةِ وَالنِّعَالِ.

وَمَا أَوْعَظَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ الصَّلْتِ رحمه الله قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بنَ الْحَارِثِ ، وَسُئِلَ: مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؛ لِأَنَّ اسْمَكَ بَيْنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ اسْمُ نَبِيٍّ، قَالَ: (هَذَا مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَمَا أَقُولُ لَكُمْ: كُنْتُ رَجُلًا عَيَّارًا صَاحِبَ عَصَبَةٍ, فَجُزْتُ يَوْمًا؛ فَإِذَا أَنَا بِقِرْطَاسٍ فِي الطَّرِيقِ؛ فَرَفَعْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ فَمَسَحَتْهُ، وَجَعَلْتُهُ فِي جَيْبِي، وَكَانَ عِنْدِي دِرْهَمَانِ مَا كُنْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا، فَذَهَبْتُ إِلَى الْعَطَّارِينَ؛ فَاشْتَرَيْتُ بِهِمَا غَالِيَةً، وَمَسَحْتُهُ فِي الْقِرْطَاسِ، فَنِمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَرَأَيْتُ فِيَ الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لِي: يَا بِشْرُ بنَ الْحَارِثِ: رَفَعْتَ اسْمَنَا عَنِ الطَّرِيقِ، وَطَيَّبْتَهُ؛ لَأُطَيِّبَنَّ اسْمَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ , ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ)([4]).

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِذَا بَلِيَ الْمُصْحَفُ، وَخَلِقَتْ أَوْرَاقُهُ فِي بَيْتِ أَحَدِكُمْ، وَمَا عَادَ يَنْتَفِعُ مِنْهُ؛ فَمَا هُوَ السَّبِيلُ الْمَشْرُوعُ فِي إِتْلَافِهِ؟

مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رضي الله عنه، بأن يحرق ويدفن رماده في مكان بعيد عن القذر والنجس وطروق الأقدام.

وَعُمْدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ: فِعْلُ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ t لَمَّا انْتَهَى مِنْ نَسْخِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ؛ عَمَدَ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ النُّسَخِ؛ فَحَرَقَهَا جَمِيْعَاً، وَالصَّحَابَةُ يَوْمَئِذٍ وَافِرُونَ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ؛ فَكَانَ إِجْمَاعَاً.

وبناء عليه فإن مديريات الأوقاف بالمحافظات جاهزات لاستقبال المصاحف والكتب الدينية التي بحاجة إلى إحراق أو يريدها أصحابها لصيانتها أو إتلافها.

وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَجَعَلَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ.

 

كَتَبَهُ

أ. د سَلْمَانُ بنُ نَصْرٍ الدَّايَة

عَمِيدُ كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ وَالْقَانُونِ

بِالْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِغَزَّةَ.

 

([1]) صحيح، أخرجه: الطبراني/ المعجم الكبير (13217)(12/313).

([2]) مجد مكي/تفسيره(ص197).

([3]) النووي/ المجموع شرح المهذب (2/170).

([4]) أخرجه: أبو نعيم/ حلية الأولياء (8/336).