جولات في الفكر الإسلامي _ 114- الشورى وحرية الإنسان

جولات في الفكر الإسلامي

114- الشورى وحرية الإنسان


28شوال 1432هـ - 26سبتمبر 2011م

 

وفي سياق الحديث عن الحرية في الإسلام نتحدث عن الشورى حيث إنها تُجسِّد حرية الإنسان في أروع صورها ، فإذا لم تكن حرية الإنسان مكفولة فلا مجال لأي حديث عن الشورى ، حيث إن  مصادرة الرأي تجهض قيمة الشورى وتفرغها من مضمونها  .

والشورى قد عرَّفها بعض السلف بأنها : " مذاكرة أهل الرأي في الأمر ثم اتباعهم . وقد عرفها بعض المعاصرين بأنها : اتخاذ القرارات في ضوء آراء المختصين في موضوع القرار في كل شأن من الشئون العامة للأمة .

وإذا كان هذا هو مفهوم الشورى ، فهي تختلف عن الاستشارة ، إذ أن الاستشارة تعني : طلب الرأي أو المشورة ممن يكون محل ثقة من الطالب . وبهذا فإنها غير واجبة ، والرأي الذي يبدو لطالبه فيها غير ملزم له . أما الشورى فهي واجبة وملزمة .

والشورى إذا ذكرت عادة جاء في الأذهان مسألة الحكم والنظام ، ولا غرابة في ذلك لأنها تعد من الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام . إلا أن الذي يسبر أغوار الشورى ويتأمل في طبيعتها يجد أن الأمر يتجاوز بكثير الصورة المنطبعة في الأذهان ، إذ غدت حجر الأساس لمختلف أنشطة المجتمع .

يقول الدكتور توفيق الشادي – أستاذ القانون المخضرم – في كتابه: ( فقه الشورى والاستشارة)

" درج كثيرون على دراسة الشورى باعتبارها مبدأ يقوم عليه نظام الحكم ويقيد سلطة الحكام . ولكننا ندرسها هنا باعتبارها نظرية عامة ،شاملة للمبادئ التي تقوم عليها حرية الأفراد وحقوق الشعوب ، وتضامن المجتمع في جميع النواحي السياسية والاجتماعية والمالية والاقتصادية وغيرها " [ فقه الشورى والاستشارة  ص 20] . ويقول في موضع آخر : " إن دراسة الشورى كنظرية عامة تبدأ بحقوق الإنسان وحرياته وسلطان الأمة وسيادتها وتؤكد أن حقوق الإنسان في في شريعتنا ليست محصورة في حرياته الفردية فقط – حرية الرأي وحرية التملك والتصرف في ماله – مثلاً – بل تربط حقه في المشاركة في قرارات الجماعة  بحقه في المشاركة في مالها وثرواتها ، نتيجة للتضامن الاجتماعي الذي يوجب التكافل ، كما يوجب الشورى "

[ السابق ص 29] . وفي موضع آخر يحدد الشاوي هدفه من بحثه الكبير فيقول : " لقد استقر في ذهني ضرورة بناء نظرية عامة للشورى الإسلامية لتكون مكملة لنظرية الدكتور عبد الرزاق السنهوري في (الخلافة ) ولئن كانت أهم خصائص الخلافة في نظر السنهوري هي مبدأ وحدة الأمة ، فإن الوحدة – في نظرنا – لا يمكن أن تنفصل عن الحرية . والشورى هي التعبير عن الحرية ، لأنها حرية الفكر والرأي حصن لحقوق الأفراد والجماعات والشعوب ، التي يجب أن يقوم عليها نظام سياسي إسلامي " [ السابق ص 46] .

وهذا المعنى الواسع الذي يجسد حقيقة الشورى ذكره العلامة الشيخ محمود شلتوت ، إذا يقول رحمه الله : " وضع الإسلام مبدأ الشورى ، وكان له في صدر الإسلام شأن تجلى به اسم الإسلام في تقرير حق الإنسان . وكان الأساس فيه الحرية التامة في إبداء الرأي" [ الإسلام عقيدة وشريعة ص 440] .

" إن معنى الشورى تضامن المجتمع على أساس حرية التشاور والحوار الحقيقي المستمد من المساواة في حق التفكير والدفاع عن الرأي .. من أجل هذا يجب أن يعلن من يؤمنون بالشورى الإسلامية ، أنهم عندما يتمسكون بها أساساً للنظام الدستوري في المجتمع إنما يقصدون ، أولاً وبالذات ، ما تفرضه الشورى من توفر الحريات الكاملة للمجتمع في الحوار وتبادل  الرأي بحرية كاملة قبل اتخاذ أي قرار أو بعده " [ الشاوي ، ص 293 ] .

هذا المعنى الحقيقي للشورى كان يُلح عليه صلى الله عليه وسلم ، وهو المعصوم حيث كان حريصاً على إشاعة ثقافة الشورى ، فقد كان يكثر من قوله : " أشيروا عليَّ أيها الناس " مع أنه ليس في حاجة إلى أراء الناس ومشورتهم ،وإنما أراد أن يحترم أرائهم وعقولهم ، وأن يمرنهم ويدربهم على أن يتميز كل منهم بموقف وبرأي وباجتهاد . لقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في إشاعة هذه الثقافة كل مبلغ حتى أنه كان يستمع لكل الأراء ، الشباب ، والشيوخ والصغار ، فها هو عليه الصلاة والسلام يُمتحنُ في عرضه ، في سمعة أهل بيته ، ثم يستشير  أسامة بن زيد ابن اثنتي عشرة سنة ، ويستشير علي رضي الله عنه وهو شاب صغير دون العشرين ، ولا عجب في ذلك ، فإنه كما يقول الحكماء : لا يخل عقل من حكمة ، كما أن الذي يستشير الآخرين إنما هو في حقيقة الأمر يفكر بأكثر من عقل . أما الذي يعمل لوحده ويقرِّر لوحده ، فهذا إنسان يخطط ويقرر بعقل واحد ، وهذا مثله كمثل العقل الذي يتغذى على نفسه سرعان ما يصاب بسوء التغذية .

إن الذين يُهملون الآخرين ولا يحترمون عقولهم ، هؤلاء قوم  قد أصيبوا بآفة الغرور والكبر والفرعونية ، حيث قال فرعون لقومه كما حكى القرآن عنه ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ . وهذه الآفة للأسف الشديد لم يسلم منها حتى بعض العاملين في حقل الدعوة الإسلامية ، حيث يحملون نفس الثقافة ، فالواحد منهم ليس عنده استعداد أن يسمع للرأي المخالف ، ما لدينا هو الحق ولسنا بحاجة أصلاً أن نرى أو أن نسمع ما عند الآخرين .

إن الذين يحملون هذه الثقافة هم قوم بالإضافة إلى أن الغرور قد ركبهم فهم أيضاً فقدوا الثقة بغيرهم ، حيث إنهم يخافون من الرأي الآخر . فهؤلاء هم صغار الناس حيث يرون أنهم يرون أن استشارة أصحاب العقول وذوي الألباب تحط من قدرهم . إن الكبار هم الذين يحترمون الآخرين . يقول المفكر الغربي ( ديفيد شفارتس ) في كتابه ( تعظيم التفكير ) إن الكبار دائماً في الفكر والسياسة يقضون وقتاً طويلاً ، لا في إلقاء الأوامر والمواعظ بل الأخذ بأراء والاستماع إلى شورى الناس . ويقول أيضاً : الكبار يحترمون الصمت يصغون يحسنون الإصغاء إلى الآخرين كل الآخرين ، والصغار يحتكرون الكلام ، الشخص الصغير لا يعطيك فرصة أن تتكلم أصلاً بمحضره ، لأنه صغير يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة .

ما أحوجنا أن نشيع ثقافة الشورى واحترام حرية الآخرين ، حيث إن تعميق الشورى في صنع قرارات الجماعة والمؤسسات ورسم سياساتها ، يعد أحد المرتكزات الأساسية في تنشيط الأعضاء وإثارة حماسهم وتقليل اعتراضاتهم ، فضلاً عن إشاعة أجواء الثقة بينهم .



                   بقلم / د. يوسف علي فرحات ( مدير عام الإدارة العامة للوعظ والإرشاد )


                               الإدارة العامة للوعظ والإرشاد