الأوقاف تنظم مؤتمرها العلمي الدولي "أزمة الفهم وعلاقتها بظاهرة التطرف والعنف"

أكد النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني الدكتور خليل الحية أن فلسطين عمومًا وغزة خصوصًا عصية على الانحراف الفكري والتطرف والإهانة, مشيرًا إلى أن تاريخ فلسطين الطويل ينسجم مع سماحة ووسطية الإسلام المنتمي لثقافة ومنهجية الأمة والعقيدة السليمة.

وقال الحية خلال المؤتمر العلمي الدولي الذي نظمته وزارة الأوقاف والشئون الدينية بالتعاون مع كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية:" أزمة الفهم وعلاقتها بظاهرة التطرف والغلو", في قاعة المؤتمرات الكبرى بالجامعة, بحضور ومشاركة وكيل وزارة الأوقاف د. حسن الصيفي إلى جانب حشد من العلماء والدعاة ووزراء الحكومة ونواب التشريعي وأساتذة الجامعات وممثلو الفصائل الوطنية وطلبة العلم والشخصيات الاعتبارية, قال:" إن التيارات الإسلامية غُيبت بفعل سياسي وأُقصيت عن سدة الحكم كلما اقتربت منه بمؤامرة خارجية من أصحاب المصالح".

وأشار د. الحية أن جنوح الأنظمة في تغييب التيارات الإسلامية الوطنية تُعد جرمًا في حق الإنسانية خاصة في ظل محاربة الشباب الإسلامي, منوهًا إلى هذا المؤتمر جاء يُعالج ما عُلق في عقول أبنائنا وهم قلة, لافتًا إلى أن الفهم السيئ يأتي بسبب المؤثرات الخارجية والظلم الذي يقع على الناس.

ودعا الحية العلماء أن يكون لهم دور واضح داخليًا وخارجيًا والإكثار من تدارس العلم وأن يكونوا صمام أمان للشباب وعنوان للفكر الإسلامي, مطالبًا في الوقت ذاته وزارة الأوقاف بزيادة العمل والجهد في نشر الوعي وتعزيز دور المساجد, مشددًا على أهمية دور الجامعات في زيادة جرعة نشر العلم الإسلامي ونشر السلم المجتمعي كي ينشأ روح التسامح والإخاء.

وفي كلمته أوضح د. الصيفي أن موضوع أزمة الفهم من المواضيع التي يستحق أن تنقدح لها العقول, وتنبري من أجلها الأقلام, وتُكَّرس لمعالجتها الجهود والأموال, وقال :" لقد غدا الإسلام والمسلمون متهمين بالإرهاب ونحن ضحاياه, وأُلصقت بنا التهم ونحن منها براء، وضربت مؤسساتنا الخيرية رغم أنها مصدر رحمة وإغاثة للملهوفين", وأضاف :" ومُنعنا من دخول البلدان والدول باعتبارنا مصدر للضرر والشر، رغم أننا لا نحمل للإنسانية إلا كل ما هو مفيد وخير. 

بين الصيفي أن الأعداءَ استغلوا فئاتٌ من الشباب المتحمس لنصرة دينه، والمندفع بدون فهم أو علم بحماسة جهلاء, وفئاتٌ أخرى فهموا العلوم بطريقة سطحية انحرفت عن مقاصد الشريعة, وضلت الطريق عن حكمة الشرع، وسخروا من حكمة العلماء الراسخين، معتمدين على فقه بعض المنتسبين للعلم ممن انحرفت بهم الأهواء, أو أضلتهم العقول, أو فتنهم الواقع فأفقدهم الحكمة.

وأشار إلى أن رقعة الانحراف الفكري والتطرف السلوكي زادت نتاج ما رآه الشباب من ظلم الأنظمة المستبدة للمسلمين وشعوب الأمة, فلم يُفرقوا بين الظلم والكفر, ولم يمايزوا بين رفض تطبيق الشريعة ومن أنكر شرعيتها, وأسقطوا النصوص في غير مواضعها، بل لم يراعوا الفرق بين الحكم الشرعي والفتوى، ونصبوا أنفسهم حَكماً على النص, يوجهونه كيفما دفعتهم أهواؤهم لتبرير موبقاتهم وجرائمهم بذريعة نصرة الدين والمظلومين.

ودعا وكيل وزارة الأوقاف العلماء والمفكرون والدعاة وأستاذة الجامعات لأن يكونوا أكثر فهماً, وأعمق تحليلاً، وأوسع إدراكاً, والاعتراف أن أزمة الفهم للدين والنصوص والتاريخ والسيرة والأحكام هي الأصل الأصيل في المشكلة, منوهًا إلى أن الفكر الإسلامي ليس معصوماً من الخطأ, وليس مقدساً, لأنه نتاج التفاعل بين العقل والنص.

كما وطالب بضرورة إعادة صياغة فهمنا لمجموعة من المفاهيم التي أطلقنا عليها صفة المطلق والمقدس, وحرّمنا مجرد التفكير في إعادة صياغة فهمنا لها... ومنها: مفهوم الولاء والبراء, ومفهوم الكفر والإيمان، ومفهوم تطبيق الشريعة والأحكام، ومفهوم الموقف من الآخر، ومفهوم الدولة والخلافة، ومفهوم الجهاد ومشروعيته ودوافعه وأهدافه، ومفهوم دار الحرب ودار السلام، ومفهوم المواطنة والوطن.

وقدم الصيفي شكره وتقديره لكل اللجان العاملة التي واصلت الليل بالنهار للمساهمة في إنجاح هذا المؤتمر

بدوره عبر رئيس الجامعة الإسلامية بغزة د. عادل عوض الله عن فخر جامعته بشراكتها مع وزارة الأوقاف في عقد هذا المؤتمر الذي يتحدث عن أزمة الفهم, مشيرًا إلى أننا بحاجة إلى فهم سليم للإسلام بأركانه الخمس والإيمان بأركانه الست, وبحاجة لفهم رسالة الإسلام كما أنزلت على الرسول وكما أُمر أن يبلغها, بالإضافة إلى فهم الضروريات التي أُمرنا أن نحافظ عليها وعلى ديننا ونفسنا وعرضنا ومالنا وعقلنا. 

ودعا رئيس الجامعة إلى التفريق بين الحلال والحرام وفهم قواعد الفقه ومقاصد الشريعة وأصول الدعوة لله تعالى ومفهوم إقامة الدين, لافتًا إلى أن اجتماع اليوم جاء للاستماع من أهل الفهم والعلم والفكر الذين رفعهم الله تعالى وتحقيق أهداف المؤتمر في معالجة هذه الأزمة.

من جهته بين مدير عام الإدارة العامة للوعظ والإرشاد ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر د. يوسف فرحات أن آفة الغلو والتطرف تُعد من الآفات الخطيرة التي ابتُليَ بها المجتمع الإسلامي, وقال :" إن الغلاة قوم يبدأون بالتكفير وينتهون إلى التفجير، غَلَوْا في الدين فهمًا وتطبيقًا؛ فأساءوا من حيث أرادوا الإحسان وأفسدوا من حيث أرادوا الإصلاح، حصروا التدين في نطاق ضيقٍ وأرادوا أن يأمروا الناس على مذهبهم ووصلَ بهم الحال إلى تكفيرِ العام والخاص, حتى كفروا العلماءَ المختلفين معهم في الرأي والمنهج".

وأشار د. فرحات إلى أن علماءُ الأمة ومفكروها استشعروا خطورة هذه الآفة على جيل الصحوة الإسلامية، وانبرَوا للتصدي لها ومعالجتها، وذلك من خلال دراستها والوقوفِ على أسبابها ودوافعها، ومحاولةِ علاجها بكل الوسائل: بالمحاضرات والندوات والكتابة وعقد المؤتمرات العلمية وغيرِها كثير.

وأوضح أن المؤتمر جاء للمساهمة في تفكيك ظاهرة الغلو والتطرف، وذلك من خلال الوقوف على أسبابها الحقيقة، مشيرًا إلى أن المؤتمر سيتضمن مناقشة أربعة محاور

ونوه د. فرحات أنه منذ اللحظة الأولى للمؤتمر كان هناك تفاعلاً كبيراً غيرَ متوقع مع الدعوة، بحيث بلغت عدد الملخصات التي وصلت اللجنة مائةً وخمسةً وعشرين ملخصاً، قُبل منها بعد أن عُرضت على اللجنة العلمية ما يقارب المائة، في حين أن عدد البحوث التي وصلت من هذه الملخصات ستٌ وستون بحثاً، قُبل منها بعد تحكيمها من مُحكمين اثنين، اثنان وأربعون بحثاً. وفي بعض الأحيان التي تكون فيه درجات المُحكمين متفاوتة تفاوتاً كبيراً، نعرض البحث على محكمٍ ثالثٍ للترجيح, منوهًا إلى أن عدد البحوث المشاركة من خارج الوطن بلغت اثني عشر بحثاً من الإمارات العربية، ومصر، والجزائر، والعراق، والمغرب وماليزيا.

ولفت إلى أن المؤتمر سيناقش أربعة محاور يحمل العنوان الأول موضوع أزمة سوء الفهم (الأسباب والمظاهر) وسيتناول المحور الثاني: التطرف والعنف (الجذور، والمخاطر، والآثار), وسيناقش المحور الثالث: الجهاد في الإسلام (الفهم والممارسة) في حين أن المحور الرابع: سيبحث المعالجة الفكرية لظاهرة سوء الفهم, مبينًا أن الوزارة خصصت مبلغ ألفي دولار كجوائزَ نقديةٍ للباحثين، بحيث يحصل الباحث الفائز في كل محور على جائزة قيمتها خمسمائة دولار.

من ناحيته  أوضح الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين د. علي قرة داغي أنَّ جميع المشاكل والمصائب على مر التاريخ حقيقتهً تعود إلى سوء الفهم، الذي عادة ينتج منه, سوء العمل, وسوء السلوك, وسوء القرار, وكذلك سوء المواقف, وسوء الشعار, فالقضية إذاً هي قضية الفكر, التي يسميها القرآن الكريم بالفقه, فالفقه هو الفهم العميق والإدراك الدقيق للواجب والواقع لكل ما يتعلق بهذا الكون.

وأشار إلى أن المسلمون اليوم حقيقة في معظمهم يعيشون على أفكار متجزأة, أو على أفكار مستوردة, إما أن تكون مستوردة من الخارج فلا تحقق غايتنا, و تتعارض مع شريعتنا وهويتنا, أو أنها في معظمها، مأخوذة بنظرة جزئية, وليس بنظرة كليه, بنظرة ظاهرية وليس بنظرة مقاصدية, بنظرة حرفيه, وليس بنظرة كلية, داعيًا إلى ضرورة تدبر القرآن الكريم, وفهمه والتعمق في آياته, والعمل على تبيان الفهم الصحيح ومعالجة هذه الأزمة الخطيرة.

وفي كملته أوضح د. عماد الدين عبد الله الشنطي عميد كلية أصول الدين الجامعة الإسلامية أن المؤتمر جاء ليوضح الصورة أمام الجميع، وينظم العلاقة بين المجتمعات المختلفة على أسس شريعتنا السمحة، بعيداً عن ردَّات الفعل التي تظهر هنا أو هناك الناتجة عن جهل أصحابها واندفاعهم وراء العواطف.

وأشار الشنطي إلى أن مؤتمر أزمة الفهم بمحاوره المختلفة يساهم إلى حدٍّ كبير في كشف وتوضيح ظواهر العنف والتطرف الموجودة في واقعنا المعاصر، وتوجيه الناس عامة والشباب خاصة الوجهة الصحيحة في فهم الإسلام والتصرف بناءً على تعاليمه السمحة.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

جاري العمل ...

متعلقات