الصبر على الطاعة

أ. علي جمال المنشاوي
لقد جعل الله -سبحانه وتعالى- مواسم للطاعات، منها شهر رمضان المبارك إذ يعد محطة مهمة لتربية النفوس وتهذيبها، فهو بمثابة مدرسة ربانية تفتح أبوابها في كل سنة شهراً كاملاً يتدرب فيه المسلم على التخلق بالأخلاق الحسنة حتى تكون سمة أصيلة في شخصيته، وصفة راسخة في سلوكه، يعيش بها في المجتمع ويتعامل بها مع من حوله، بل ويتعبد الله ويتقرب إليه بالاتصاف والتخلق بها في حياته، فالإنسان الذي لا يربي نفسه ويزكيها بالأخلاق الفاضلة كما يزكيها بالعبادات والطاعات والمناجاة وقراءة القرآن يكون قد خسر خسراناً مبيناً.


ذلك أن الأخلاق لها أهمية عظيمة في الإسلام، فقد جُعلت علامة على كمال الإيمان ومهراً لمحبة وجوار النبي العدنان، قال صلى الله عليه وسلم :"أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا" [رواه الترمذي]، وقال صلى الله عليه وسلم : "إنّ من أحبِّكم إليّ وأقربِكم منّي مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا" [رواه البخاري].


وإن من أعظم القيم والأخلاق التي حريٌّ بالمسلم أن يتربى، ويتدرب عليها في هذا الشهر الكريم، وفي هذه المدرسة الربانية، خلق الصبر، الذي تدور حوله جميع الأخلاق وهو خلقٌ كريم ووصف عظيم، وصف الله به الأنبياء والمرسلين والصالحين، فقال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ) [الأحقاف:35]، بل وأغدق ربنا على أهله بالثناء، وأوجب محبةً لهم واصطفاء في تسعين موضعاً من القرآن الكريم والتي منها قوله جل من قائل سبحانه: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177]، وقوله سبحانه: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 146]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) [ رواه البخاري].


وأعظم أنواع الصبر: الصبر على الطاعة، قال الله تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: 65]، فقد استخدم القرآن هنا صيغة الافتعال من الصبر (اصطبر) مكان الصيغة المعتادة (اصبر)، لأن الافتعال يدل على المبالغة في الفعل، فزيادة المبنى تدل في العادة على زيادة المعنى، وما ذاك إلا لأن الطريق إلى طاعة الله مليئة بالمعوقات من داخل النفس ومن خارجها.


وفي هذا يقول أبو الحسن الماوردي: "الصبر على امتثال ما أمر الله تعالى به، والانتهاء عما نهى الله عنه تخلص به الطاعة، وبخلوص الطاعة يصح الدين، وتؤدى الفروض، ويستحق الثواب، وليس لمن قل صبره على طاعة حـظ من بر، ولا نصيب من صلاح".

ويحتاج العبد إلى الصبر على الطاعة في ثلاث حالات:
- الأولى: قبل الشـروع في الطاعة، وذلـك بتصـحيح النـية والإخلاص، والصبر عن شوائب الرياء ودواعي الآفات، وعقد العزم على الوفاء بهذه الطاعة.
- الثانية: الصبر حال القيام بالطاعة، وذلك بملازمة الصبر عن التقصيـر فيها، وملازمة استصحاب النية، وحضور القلب بين يدي المعبود.
- الثالثة: الصبر بعد الفراغ من الطاعة، وذلك بالصبر عن الإتيان بما يبطلها، والصـبر عن النظر إليها بعين العجب والتعظيم، والصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية.
وأخيرا أقول إن الصبر على الطاعة يجلب للعبد الراحة والطمأنينة والسعادة ويكتب له القبول عند الله والناس، لذلك حريٌّ بالمسلم الكيس الفطن أن يحرص على التخلق بهذا الخلق الكريم.
كما قال البُوصيري في بردته:
والنَّفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شبَّ على حُبِّ الرَّضاعِ وإن تفطمهُ ينفطمِ

التعليقات

تعليقك على الموضوع

جاري العمل ...