سنة الله في إهلاك الظالمين

كتبه: د. محمد كمال سالم

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون له سننًا في خلقه، تصيب البر والفاجر على السواء، فيحظى البر بوعد الله تعالى بالتأييد والظفر، ويُصاب الفاجر بوعيد الله تعالى بالاستدراج والإهلاك، وفي خضم المعانيات التي يعيشها شعبنا الفلسطيني المرابط، وتعيشها أمتنا المسلمة؛ فإنني أذكّر بسنة الله تعالى في إهلاك الظالمين، وأي ظلم أشنع وأعظم من حصار شعب غزة بأكمله بلا وجه حق، ويأتي ذكر هذه السنّة الإلهية لتثبيت الناس، وتقوية عزائمهم، وتبشيرهم بوعد الله بالنصر والفرج، قال تعالى: )قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ([الأعراف: 128]، وذلك من خلال الآتي:

أولًا: تعريف السنن الإلهية: هي عادة الله تعالى المعلومة في أوليائه وأعدائه، بإكرام هؤلاء وإعزازهم وإكرامهم، وإهانة أولئك وإذلالهم وكبتهم.

ثانيًا: سمات السنن الإلهية:

الثبات: أي: لا يعتريها التغيير ولا التبديل ولا التحويل، فهي سنن ثابتة في كل المخلوقات، لقيامها على صفتي الحكمة والعدل الإلهيتين المطلقتين، قال تعالى: )فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا([فاطر: 43].

الشمول: فحكمها يسري على الجميع دون استثناء، فهي لا تستحيي من أحد، ولا تحابي أحدًا سواء كان مؤمنًا أم كافرًا، أو أبيض أو أسود، أو أعجميًا أو عربيًا، يعيش في رقعة إسلامية أو غير إسلامية، فالقضية غير مرتبطة بجنس أو رقعة أو غيرها؛ بل القضية قضية عمل وجزاء، قال تعالى: )لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا([النساء: 123].

العدل: فهي سنن محكومة بالعدل الصادر عن الله تعالى، فهي لا تظلم أحدًا، والمعلوم أن أفعال الله لا تكون إلا وفق مطلق حكمته وعدله، وكان الله تعالى ليظلم أحدًا من خلقه، بارًا كان أو فاجرًا، قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( [يونس: 44].

الاطراد: فهي سنن متكررة، فحيثما وُجد السبب وقعت السنّة، بغض النظر عن الزمان، أو المكان، أو الأشخاص، أو الأفكار، ويدل على تكرارها ما قصه الله تعالى علينا من أخبار الأمم السابقة التي تعرضت لسننه، لأجل العظة والاعتبار، فلا نقع فيما وقعت فيه فيصيبنا مثلما أصابها، ولولا ثباتها واطرادها ما كان لذكرها في كتاب الله تعالى معنى ولا فائدة.

ثالثًا: نماذج من إهلاك الظالمين: ومن الذين ظلموا فحقت عليهم سنّة الإهلاك قوم عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، قال تعالى: )وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ % وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( [العنكبوت: 39-40].

والمعنى: فكلًا من هؤلاء الأمم الظالمة )أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ( أي: بسبب ذنبه، وبعقوبة مناسبة له، )فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا( أي: عذابًا يحصبهم، كقوم عاد حين أرسل الله عليهم الريح العقيم، )وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ( كقوم صالح عليه السلام، )وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ( كقارون، )وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا( كفرعون وهامان وجنودهما.

إذن هي سنّة الله تعالى في الظالمين، لا تخطئهم؛ بل ستطالهم عاجلًا أم آجلًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ: )وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ( [هود: 102]. رواه البخاري

التعليقات

تعليقك على الموضوع

جاري العمل ...