أعمالٌ تُطيلُ العُمُرَ وتَزيدُ في الحسَناتِ

أعمالٌ تُطيلُ العُمُرَ وتَزيدُ في الحسَناتِ

د. عبد الباري خِلّة / خطيب بوَزارة الأوقاف

 

الحمدُ للهِ وكَفَى، وسلامٌ على عِبادِه الذين اصطَفى، وبعْدُ:

فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ هُوَ بَصْرِيٌّ، وَهُوَ مَوْلَى أَبِي بَرْزَةَ، وَأَبُو بَرْزَةَ اسْمُهُ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ [رواه التِّرْمِذِيُّ بسند صحيح].

وعِبَادةُ اللهِ تعالى هَدَفُ كُلِّ مُسْلِمٍ في هذه الحياةِ، فلا بُدَّ أنْ يَغْتَنِمَ وَقْتَهُ في الأعْمالِ الصَّالِحةِ، وإنَّ حَياتَنا مَحْدُودةٌ لا تَزِيْدُ ولا تَنْقُصُ، والعُمُرُ فيها قَصِيرٌ إذا ما قُورِنَ بأعْمارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ، فأعمارُ هذه الأُمَّةِ ما بيْنَ السِّتِّينَ إلى السبعينَ كما قال النبيُّ [صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ]: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذلِكَ» [رواه التِّرْمِذِيُّ بسَنَدٍ حَسَنٍ].

فعلى العاقِلِ أن يَبْحثَ لَهُ عَنْ أعمالٍ صالِحةٍ تُطيلُ عُمُرَه، وتُضاعِفُ حَسَناتِه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [رواه البُخارِيُّ].

 

وقد اختلفَ العُلَماءُ في مَفهومِ إِطالَةِ العُمُرِ:

فمِنْهُمْ مَنْ قالَ: إنَّ هذه الإطالَةَ حقيقيّةٌ بالسنينَ والأيّامِ، ومِنْهم مَنْ قالْ البَرَكةُ في العُمُرِ وذلك بِعَمَلِ الطاعاتِ، والبُعْدِ عَنِ المُنْكَرَاتِ والعَمَلِ في الزَّمَنِ القصيرِ ما لا يُعْمَلُ إلّا في الزمنِ الكثيرِ، وسَأذْكُرُ بَعْضاً مِنْ الأعمال التي تُطيـــلُ في العُـــــمُرِ:

1. صِلَةُ الرَّحِمِ: لِلْحدِيثِ السَّابِقِ.

2. حُسْنُ الخُلُقِ: فعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] قَالَ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» [رواه التِّرْمِذِيُّ بسَنَدٍ صَحِيحٍ]، وبِحُسْنِ الخُلُقِ تَنالُ ثَوابَ الصائمِ القائمِ، فعنْ عائشةَ رضي اللهُ عنها قالتْ: قال رسولُ اللهِ [صلَّى اللهُ عليه وسلَّم]: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ الْقَائِمِ» [رواه أبو داود بسند صحيح].

3. قَضاءُ حوائِجِ النَّاسِ: فعَنْ عبدِ اللهِ بن ِعُمُرَ رضي اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ [صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ] قال: «... وَلأَنْ أَمْشِي مَعَ أَخِي الْمُسْلِمِ فِيِ حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا» يعني مسجدَ المدينةِ، [رواه الطَّبَرَانِيُّ بسَنَدٍ حَسَنٍ].

4. الإِحْسَانُ إلى الجارِ: فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] قَالَ لَهَا: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» [رواه أحمدُ بِسَنَدٍ صَحيحٍ]

5. تَفْطيرُ الصائمينَ: فعَنْ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ قال: قال رسولُ اللهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: «مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شَيْئاً» [رواه التِّرْمِذِيُّ بسَنَدٍ صحيح]

6. صَلاةُ الجَماعةِ: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» [رواه مسلمٌ].

7. الخُروجُ إلى المسجدِ مُتَطَهِّراً: فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ» [رواه أبو داودٍ بسند صحيح]

8. صَلاةُ النَّوافِلِ في البيتِ: فعَنْ صُهَيْبٍ قال رسولُ اللهِ [صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ]: «صَلاَةُ الرَّجُلِ تَطَوُّعاً حَيْثُ لاَ يَرَاهُ النَّاسُ تَعْدِلُ صَلاَتَهُ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ خَمْساً وَعِشْرِينَ» [رواه الدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ صحيح]

9. صَلاةُ العِشَاءِ والفَجْرِ في جَماعةٍ: فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِى جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِى جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ» [رواه أبو داود بِسَنَدٍ صحيح].

10. صَلاةُ الضُّحى: فعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى» [رواه مسلِمٌ]

11. حُضورُ المساجدِ للعِلْمِ أو التعليمِ: فعَنْ أبي أُمَامَةَ عَنِ النبيِّ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] قال: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لاَ يُرِيدُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْراً أَوْ يُعَلِّمَهُ «يَعْمَلَهُ» كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامّاً حَجَّتُهُ» [رواه الطَّبَرَانِيُّ بسَنَدٍ صحيح].

12. صِيامُ سِتَّةٍ أيّامٍ مِنْ شَوَّالٍ: فعَنْ أبي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ قال: قال النبيُّ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثم أتْبَعَهُ سِتّا مِنْ شَوّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» [رواه مُسلِمٌ].

13. صِيامُ الأيّامِ البِيْضِ الثَّلاثةِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ: فعن أبي ذَرٍّ رضي اللهُ عنه قال: قال رسول الله [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: «مَنْ صَامَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ» [رواه ابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صحيح].

14. الجِهادُ في سبيلِ اللهِ: فعَنْ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] قال: «مُقامُ الرَّجُلِ في الصَّفِّ في سبيل الله أَفْضَلُ عندَ اللهِ مِنْ عِبَادَةِ رَجُلٍ سِتَّينَ سَنَةً» [رواه الحاكِمُ بسند صحيح لِغيرِه].

15. المُرابَطةُ وحِرَاسةُ يَوْمٍ في سبيلِ اللهِ: فعَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ رضي الله عنه: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] قَالَ: «مَنْ رَابَطَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ وَأَمِنَ مِنْ الْفَتَّانِ» [رواه النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صحيح].

16. قِرَاءَةُ سُورَةِ الإِخْلاصِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ: فعَنْ أبي الدَّرْداءَ رضي اللهُ عنه أنَّ النبيَّ [صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ] قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }  تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» [رواه مُسلِمٌ].

17. الاستِغْفارُ للمُؤْمِنينَ: فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي اللهُ عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ [صلَّى الله ُعليه وسلَّمَ] يقولُ: «مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً» [رواه الطَّبَرانيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ].

18. ومِنَ الأعْمالِ التي تُطيلُ عُمُرَ العَبْدِ صِيامُ عَرَفَةَ لِغيرِ الحاجِّ؛ فإنَّهُ يُكَفِّرُ ذُنُوْبَ سَنَتيْنِ، وصِيامُ عَاشُوراءَ؛ فإِنَّهُ يُكَفِّرُ ذُنوبَ سَنَةٍ، وقِيامُ لَيْلةِ القَدْرِ وغَيْرُ ذلكَ مِنْ أعمالٍ، وذلك إذا كرَّر العَبْدُ عَمَلاً فإِنَّهُ يَأْخُذُ أَجْرَ سِنِيْنَ عَدَداً فكأنَّما زادَ عُمُرُه ونالَ عَظيمَ الأَجْرِ. فلا مَانِعَ لما أَعْطَى اللهُ، وكُّل شَيْءٍ بِقَدَرِ اللهِ وبالإِخْلاصِ لَهُ، وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

جاري العمل ...