المُصالَحةُ الفِلَسْطِيْنِيَّةُ .. رُؤْيَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ

أ. أحمد عليان عيد / خطيب بوَزارة الأوقاف

إِنَّ خِطابَ المُصالَحةِ جاءَ فِي القُرْآنِ الكَريمِ شامِلاً ومُسْتَغْرِقاً لِلْبَشَرِ جَميعاً ولِلْمَوْضوعاتِ كُلِّها، وجاءَ طَلَبُها والحَثُّ عَلَيْها بِاعْتِبارِها مِنْ فَضائلِ الأَعْمالِ، قالَ تَعالى: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}  [النساء:114]. وقال أيضاً: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال:1]. وقال تعالى أيضاً: {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة:224]، وجاء طَلَبُها والحَثُّ عَلَيْها بِاعْتِبارِها مِنْ واجِباتِ الأُخُوَّةِ الإيمانِيّةِ، قالَ تَعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات:10].

وَإِنَّ مَا يَحْدُثُ حالِيَّاً فِي الشَّارِعِ الفِلَسْطينيِّ خاصَّةً وباقي البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ عامَّةً مِنْ تَعابِيْرَ كَبيرةٍ تجاه (المُصالَحةِ الفِلَسطينيّةِ) لَه آثارٌ إيجابيةٌ ونَفْسِيةٌ عَلى أَفْرادِ شَعْبِنا الفِلَسْطينيِّ الذي يَنْظُرُ بِعَيْنِ الأَمَلِ والتَّفاؤُلِ إلى المُصالَحةِ، التي لَمْ تَتَحَقَّقَ رَغْمَ اللِّقاءاتِ المُتَكَرِّرةِ مِمَّا أَثَّرَ عَلى نُفوسِ الكَثيرِ وأَنْبَتَ لَدَيْهِم الإحْباطَ واليَأْسَ، وَلَمْ يَشْعُروا وَلَوْ لِمِرَّةٍ واحِدةٍ بِالفَرَحِ نَتيجةَ الفَوْزِ الحَقيقيِّ بِالمُصالَحةِ التي تُحَدِّدُ مَصيرَ كَثيرٍ مِنَ المُواطِنينَ إلَّا ما نَراهُ خِلالَ هذه الأَيّامِ مِنْ نِسْبَةِ تَفاؤُلٍ أكْثرَ مِنْ ذِي قَبْلُ، لذلك يَجِبُ الانْتِباهُ إلى الآثارِ اللاحِقةِ والمُسْتَقْبَلِيَّةِ الخطيرةِ، وتَرَسُّباتِها العَميقةِ عَلى النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ الفِلَسطينيّةِ الفَرْدانيّةِ والجَماعيّةِ والدِّيناميكيّةِ.

فَمِنْ أَهَمِّ الأشْياءِ التِي لابُدَّ أَنْ نَأْخُذَها بِعَيْنِ الاعْتِبارِ أَنَّ هُناكَ فُروقاً فَرْديّةً بَيْنَ أَفْرادِ المُجْتَمَعِ الفِلَسْطِينيِّ، وأَنَّ هُناكَ مُسْتَوَياتٍ مُخْتلِفةً مِنْ قُدْرَةِ أَفْرادِ الشُّعوبِ لِتَحَمّلِ نَتائجِ الصِّراعِ والأَزماتِ.

فَأَمَلُ كَثيرٍ مِنَ المُواطِنينَ هُوَ تِلْكَ النَّافِذةُ المُهِمَّةُ، ألا وهي (المُصالَحةُ)، التِي مَهْما صَغُرَ حَجْمُها فِي نَظَرِ البَعْضِ، إلَّا أَنَّها تَفْتَحُ آفاقاً واسِعةً فِي حَياةِ كَثيرٍ مِنَ المُواطِنينَ، ولَاْ يُمْكِنُ اقْتِصارُ الآثارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى المُصالَحةِ تَحْتَ جُنُحِ وَحْدَةِ شَعْبِنا الفِلَسْطينيِّ والتَّنْمِيةِ الاقْتِصاديَّةِ فَقَطٌ، وإنَّما هُناكَ آثارٌ لَها مَرْدودٌ نَفْسيٌّ يَتمثَّلُ بِالإحساسِ الإيجابيِّ مَهْما كانَت الظُّروفُ، ومهما كانت التَّحَدِّياتُ، ومَهْما كانَ المُؤَثِّرُ الخارِجيُّ.

فالُمصالَحةُ مَطْلوبةٌ بَيْنَ المُسْلِمينَ مِنْ أَجْلِ الارْتِقاءِ بِالدِّيْنِ والسِّياسةِ والاقْتِصادِ والثَّقافةِ والحَضارةِ، قال تعالى: {والصلح خير} [النساء: 128].

لِذلكَ نَجِدُ أَنَّ المُصالَحةَ مُحاوَلةٌ لِإِخْراجِ المُواطِنِ مِنْ دائِرةِ الصِّراعاتِ التي طَوَّقَتْ عُنُقَهَ طوالَ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، وَتَوْفيرِ الجَوِّ المُلائمِ الذي يُشْبِعُ فِيْه مُيولَه واهْتِماماتِهِ.

فَنَجِدُ أَنَّ البَعْضَ يَبْحَثُ عَن المُصالَحةِ الحَقيقيّةِ التِي مِنْ خِلالِها تَتَحَقَّقُ أحْلامُه بِالدِّراسةِ، والآخَرَ مِنْ أَجْلِ العِلاجِ، والآخَرَ مِنْ أَجْلِ لِقاءِ الأَهْلِ والأَحْبابِ، والآخَرَ مِنْ أَجْلِ الزَّواجِ، والآخَرَ مِنْ أَجْلِ التِّجارةِ، وآخَرَ مِنْ أَجْلِ العِبادةِ، فَهذه أحْلامٌ يَنْتَظِرُها كَثيرٌ مِنَ المُواطِنينَ، فَنَجِدُ أَنَّ تَعْبِيرَ كَثيرٍ مِنَ المُواطِنينَ عَنْ مَشاعرِ الصَّدْمةِ اتِّجاهَ عَدَمِ الاتِّفاقِ بِأَوْجُهٍ مُخْتلِفةٍ، مِنْها العُدْوانُ على الآخَرينَ والتَّعامُلُ بِخُشونةٍ مَعَ الزُّملاءِ، وَسُرْعَةُ الاسْتِثارةِ الانْفِعاليّةِ، فَنَراهُ يَصْرُخُ أحْياناً بِلا سَبَبٍ، أوْ يَغْضَبُ لِأَتْفَهِ الأَسْبابِ.

ومِنَ العاداتِ السُّلوكيّةِ التِي تُعَبِّرُ عَنْ قَلَقِ هَؤلاءِ الأَشْخاصِ نَتيجةَ الصَّدْمةِ الخَلَلُ فِي تَوازُنِ الأُسَرِ الفِلَسْطِينيّةِ، والتي تُعْتبَرُ انْعِكاساً لِحالةٍ مِنَ الأمانِ التِي كانَ يَعِيْشُها المُواطِنُ فِي مَرْحَلةٍ سابِقةٍ، وهُوَ يَحِنُّ لِلرُّجوعِ إلَيْها؛ كَوْنَها تُذَكِّرُه بِمَرْحَلةٍ مُمْتِعةٍ بِالنِّسْبةِ لَهُ.

فَالواجِبُ عَلَيْنا فِي هذه المَرْحَلةِ التَّسامُحُ والعَفْوُ والصَّفْحُ؛ لِأَنَّ ذلكَ مِنْ أَهَمِّ الطُرُقِ المُفْضِيَةِ إلى تَحْقيقِ المُصالَحةِ، وقد جاء الحثُّ عَلَى هذه الصفاتِ في الكَثيرِ مِنَ الآياتِ، مِنْها قَوْلُه تَعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237].

لِذلكَ نَأْمَلُ أَنْ تَكونَ المُصالَحةُ عَمَلِيَّةً مُنَظَّمَةً تَهْدِفُ إلى مُساعَدةِ المُواطِنِ الفِلَسْطِينيِّ؛ كَيْ يَفْهَمَ ذاتَه ويَعْرِفَ إمْكاناتِه وقُدُراتِه ويَحُلَّ مُشْكِلاتِه؛ لِيَصِلَ إلى تَحْقيقِ التَّوافُقِ النَّفْسيِّ والتَّرْبَويِّ والمِهَنيِّ والاجْتِماعيِّ والدِّيْنيِّ وإلى تَحْقيقِ الصِّحَّةِ النَّفْسِيّةِ المُتَكامِلةِ.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

جاري العمل ...