وَاجِبُ العُلَمَاءِ تُجَاهَ الوَحْدَةِ الإسلاميةِ اقْتِدَاءً بنَبيِّ الرحْمةِ

د. نمر محمد أبو عون / خطيب بوزارة الأوقاف

 

يُعَدُّ العالِمُ مَرْجِعِيّةً دِيْنِيّةً وفِقْهِيّةً تَقُوْمُ بِدَوْرٍ فَعَّالٍ فِي نَشْرِ الوَعْيِ الثَّقافِيِّ، وغَرْسِ قِيَمِ الثَّقافَةِ الإسْلامِيّةِ الأصِيْلةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى بِناءِ الإنْسانِ عَقْلاً وجَسَداً ورُوْحاً؛ فَلا يَصْدُرُ عَن العالِمِ أيُّ فَتْوىً تُثِيْرُ نِزاعاً أوْ تُفَرِّقُ بَيْنَ النَّاسِ عَلى أساسٍ عِرْقِيٍّ أو طَائِفِيٍّ، بَلْ تَكُوْنُ فَتاواه حَرِيْصةً عَلى وَحْدَةِ الصَّفِّ، مُستَمَدَّةً مِنْ تَوْجِيْهاتِ المَبْدَأِ القائِلِ: لا سُلْطانَ عَلى العالِمِ سِوَى سُلْطانِ الدِّيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ هَدْيَ المُصْطَفَى [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] مِنْ أعْظَمِ ما تَفَضَّلَ اللهُ بِهِ عَلَيْنا، فَيَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَتَّبِعَ سُنَّتَهُ؛ فَمَحَبَّةُ النَّبِيِّ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِماتٍ أوْ خُطَبٍ تُتْلَى عَلى المَنابِرِ، ولَكِنَّ مَحَبَّتَهُ عَقِيْدةٌ إيْمانِيَّةٌ، يَتَنافَسُ فِيْها المُتَنافِسُوْنَ، ولا بُدَّ أنْ تَكُوْنَ حَياةً تُعاشُ، ومَنْهَجاً يُتَّبَعُ، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عِمْران:31].

ونَحْنُ أُمَّةُ خاتَمِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِيْنَ وخَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ، تَمْرَضُ ولَكِنْ لا تَمُوْتُ، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عِمْران:140]، وأمَلُنا بِاللهِ كَبِيْرٌ ولا شَكَّ أنَّ شَمْسَنا سَتُشْرِقُ مِنْ جَدِيْدٍ، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء:51]؛ لِهَذا وَجَبَ عَلى العالِمِ أنْ يَسُدَّ ثَغْراتٍ خَطِيْرةً، ويَمْنَعَ ما قَدْ يُؤْذِي المُسْلِمِيْنَ؛ لِقَوْلِه سُبْحانَه وتَعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122].

وفِي خِضَمِّ الأحْداثِ المُؤْسِفِةِ التِي تَعْصِفُ حَوْلَنا فِي المَنْطِقةِ العَرَبِيَّةِ، فأُمَّتُنا اليَوْمَ أحْوَجُ ما تَكُوْنُ بِحاجةٍ إلى العالِمِ الذي يَنْطَلِقُ مِنْ رَكائِزَ أساسِيَّةٍ مِنْ خِلالِ رِسالةِ الإسْلامِ السَّمْحةِ، وبَياناً للدَّوْرِ المُهِمِّ والخَطِيْرِ المُنَاطِ بالعالِمِ السائِرِ عَلى هَدْيِ النُّبُوَّةِ؛ لابُدَّ لَهُ مِنَ القِيامِ بِأعْمالٍ، مِنْ أهَمِّها:

1. نَبْذُ التَّطَرُّفِ والعُنْفِ والإرْهابِ ضِدَّ الأبْرِياءِ والمُسَالِمِيْنَ مِنْ شَتَّى الطَّوائِفِ والأعْراقِ والأدْيانِ، والعَمَلُ عَلى تَوْجِيْهِ كُلِّ البَنادِقِ وكُلِّ الطاقاتِ لِلْدِّفاعِ عَنِ الأُمّةِ، وذلِكَ نَحْوَ العَدُوِّ المُشتَرَكِ لِلْجَمِيْعِ؛ وهُوَ العَدُوُّ الصّهْيُوْنِيِّ.

2. تَكُوْنُ عِنْدَه الثَّقافةُ الإسْلامِيّةُ، البَعِيْدةُ عَن التَّعَصُّبِ التِي تَقُوْمُ عَلى مَبْدَأِ النَّبِيِّ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] فِيْ قَوْلِهِ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».

وضِمْنَ هذا السِّياقِ؛ نُبَيِّنُ أنَّ الثَّقافةَ الإسْلامِيَّةَ التِي يَنْشُدُها هذا العالِمُ الرَّبَّانِيُّ هِيَ:

أ. رُوْحُ الأُمَّةِ، إلَهِيّةُ المَصْدَرِ، مُتَّصِلةٌ بِالْنُّبُوَّةِ، ولِلْنَّاسِ كُلِّهِم، لا لِحِزْبٍ ولا لِطائِفةٍ ولا لِدَوْلةٍ ولا لجُغْرافيا، تَنْصَهِرُ داخِلَها جَمِيْعُ الفُرُوْعِ وجَمِيْعُ الفَوارِقِ فِي بَوْتَقْةٍ واحِدةٍ، وتَبْقَى ثَوابِتُ الإسْلامِ.

ب. الثَّقافَةُ الإسْلامِيّةُ التِي عَلَّمَت النَّاسَ مَعْنى الحُرِّيَّةِ، وحَرَّرَتْهُم مِنَ العُبُوْدِيّةِ، وحَمَت المُضْطَهَدِيْنَ والمُسْتَضْعَفِيْنَ، وحَوَّلَت المُسْتَبِدَّ والمُنافِقَ والمُتَكاسِلَ إلى خَصْمٍ؛ وذَلِكَ أرْقى مَفْهُوْمٍ مُمْكِنٍ أنْ يَتَحَقَّقَ لِلْثَّقافَةِ بَيْنَ جَمِيْعِ المَفاهِيْمِ.

ج. الثَّقافةُ الإسْلامِيّةُ فِي فِلَسْطِيْنَ تَلْتَقِي مَعَ الوَعْدِ الحَقِّ، ومَعَ الأنْبِياءِ حَمَلَةِ الرِّسالاتِ الذِيْنَ مَرُّوا عَلى ثَرَاهَا الطاهِرِ، وهِيَ تَكْلِيْفٌ يَتَناسَبُ مَعَ مَكانةِ فِلَسْطِيْنَ عَلى مَرِّ التارِيْخِ.

د. العَمَلُ عَلى زِيادَةِ الوَعْيِ الثَّقافِيِّ فِي المُجْتَمَعِ ورَبْطِه بِالْقِيَمِ الإسْلامِيّةِ السَّمْحةِ، والنُّهُوْضُ بِهذه الثَّقافةِ مِنْ خِلالِ التَّشارُكِيَّةِ المُؤَسَّسِيَّةِ والوَسائِلِ المُتاحَةِ، فَذَلِكَ يُشَكِّلُ صَمَّامَ أمانٍ مُجْتَمَعِيٍّ، ويَحْمِي المُجْتَمَعَ مِنَ الأفْكارِ المُنْحَرِفةِ.

وَأخِيْراً: نُوَجِّهُ دَعْوَةً لِجَمِيْعِ العُلَماءِ إلى تَحَمُّلِ المَسْؤُوْلِيَّاتِ، وإبْرازِ الوَجْهِ الثَّقافِيِّ الإسْلامِيِّ لِقِطاعِ غَزَّةَ خاصَّةً، وفِلَسْطِيْنَ عامَّةً، واسْتِغْلالِ الوَسائِلِ العَصْرِيَّةِ التِي تُخاطِبُ الأجْيالَ بِلُغَةِ اليَوْمِ، مِنْ خِلالِ نَشْرِ مَضامِيْنِ رِسالَةِ الإسْلامِ حَسَبَ قَوْلِهِ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»، وتَبَنِّي القِيَمِ الوارِدةِ فِي القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وتَطْبِيْقِها عَلى أرْضِ الواقِعِ، بِما يُوْصِلُنا إلى بَرِّ الأمانِ، مِنْ خِلالِ إيْجادِ مُجْتَمَعٍ يَتَمَيَّزُ بِالْوَعْيِ والتَّسامُحِ وقَبُوْلِ الآخَرِ.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

جاري العمل ...